الأحد، 7 أبريل 2013

مقالنا في صحيفة الجزيرة يوم الأحد السادس والعشرين من جمادى الأول أثار ونقوش محافظة العُرضيّات

صحيفة الجزيرة- آثار ونقوش محافظة العرضيات

تحقيق - عبد الهادي بن مجنّي

كان غاية أملي أن أكتب عن آثار بلاد العرضيات وكان لدي شعاع من الأمل أن أجد شيئاً من تلك الآثار ثم يتبادر لي أحياناً أنني لن أوفق في ذلك حتى حصلت في النهاية ولله الحمد على نتائج ستكون في غاية الأهمية لباحثي الآثار وتبين لي بعد البحث والكتابة أننا بحاجة إلى إجراء مسح أثري للمواقع القديمة في بلاد العرضيات وتبين لي أيضاً أن دراسة حضارة بلاد العرضيات لا يمكن أن تكون بمعزل عن الهيئة العليا للسياحة والآثار وقد قمت منذُ مدة وبرفقة الأستاذ عبدالله الرزقي بجولة لمعاينة بعض من آثار العرضيات ووقفت عليها بشكل شخصي وإنني مدين للأستاذ الرزقي في الوصول إلى تلك النقوش حيث تعد كشفاً جديداً وقد مد لي يد العون لدراستها وتحقيقها ثم نشرها. هدفي من هذا المقال إعطاء فكرة عن الحالة الراهنة لتلك النقوش وإفادة الأثاريين عامة وأرجو أن يساعد جهدي المتواضع في التعرف على آثار وحضارة بلاد العرضيات التي لم نكتشف منها إلا النزر اليسير. وأود أن أضيف هنا أن في تلك الديار مواقع أثرية مهمة للأبحاث الآثارية مستقبلاً أما نقوشها فهي واحدة من مجموعة نقوش متفرقة ومتناثرة في مواقع عديدة بجنوب البلاد السعودية ومن المناسب أيها القراء الكرام أن تجمع النقوش المتفرقة في بلاد العرضيات ويجدها الباحث ضمن كتاب واحد. وسوف أدرج هنا أبعاد تلك النقوش والأماكن التي وجدت فيها وأود أن أستهل حديثي عن المراحل التي مرت بها آثار ونقوش بلاد العرضيات حيث مرت بثلاث مراحل تاريخية كانت المرحلة الأولى هي عهد الصيادين الأوائل وفقاً لنقوش عُثر عليها داخل كهوف تم اكتشافها، بها رسوم غزلان ووعول موغلة في القدم، أما المرحلة الثانية فهي المرحلة الثمودية وأسميناها بالثمودية نظراً للعثور على نقش ثمودي بجبل المكتّب في وادي كروان وتأتي المرحلة الثالثة مرحلة العهد الخثعمي والأزدي الأول حيث جاء الإسلام والأزد وخثعم هم سكان وأهل تلك الديار. رابعاً مرحلة العهد السعودي الثالث حيث كانت محافظة العرضيات قد انضمت إليه في مطلع الأربعينات الهجرية من القرن الرابع عشر الماضي. أما أهم تلك المواقع الأثرية في محافظة العرضيات فهي سوق حباشة الأثري حيث يقع بصدر وادي قنونا في شمال المحافطة وتكمن أهميته في وصول النبي محمد صلى الله عليه وسلم إليه قبل بعثته بتجارة لخديجة بنت خويلد رضي الله عنها ويؤكد كبار السن بالقرية القريبة منه أنهم كانوا وما زالوا يطلقون كلمة السوق على ذلك الموقع وقامت الهيئة العليا للسياحة والآثار بتوثيق سوق حباشة وترميزه بحجارة وكتل خرسانية مكتوب عليها اسم الهيئة، ونناشد الجهات ذات العلاقة بالاهتمام بهذا السوق الذي تشرف بزيارة نبينا صلى الله عليه وسلم وإقامة فعاليات به أسوة بسوق عكاظ. أما الموقع الأثري الآخر فهو (ثميدة) وبه معدن من أهم المعادن في جنوب الجزيرة العربية وثميدة سلسلة جبال تمتد من وادي أبيان شمال محافظة العرضيات حتى جبال ثربان جنوباً. ثالثاً: موقع أثري بمكان يطلق عليه اسم أخليلة وبه نقوش وآثار أبقار وحشية. رابعاً: رسومات قديمة جداً في بلاد آل كثير. خامساً: جبل المكتّب في وادي كروان يوجد به نقوش ثمودية تعود كما أسلفت لقوم ثمود. سادساً: حياد السهبة ويقع شمال شرق مصنع أسمنت تهامة وبه رسوم لغزلان ووعول. سابعاً: موقع قنونا أو استراحة قنونا وبه مياه جارية وهو مكان يلجأ إليه الناس المسافرون قديماً للراحة كما قال أيوب صبري حينما مر به وذكر ذلك في كتابه مرآة جزيرة العرب (1289) ويقع هناك بذلك الوادي شاهد قبر الغريبة بالفائجة مبدوء بالبسملة مكتوب عليه (بسم الله الرحمن الرحيم اللهم نور السموات والأرض نوّر لمريم بنت قيس في قبرها) وهذا القبر أحد النقوش الأثرية التي تعود للعهد العباسي في القرن الثاني الهجري وقد وقفت عليه شخصياً. أ- نقش الشهادتين (لا إله إلا الله محمد رسول الله) بقرن الفرس بشعب بالحارث. ب- نقش ثمودي بجبل المكتّب بكروان. ج- نقوش شاهدية نبطية مكسر سارة بشعب بالحارث. د- نقش كف مكسر سارة. هـ- رسم منقوش على صخرة كبيرة بأعلى شمال شرق حدبة الغبراء. و- ومن بين الآثار الحقيقية التي وجدت أوان فخّارية عثر عليها الأستاذ حسن إبراهيم الفقيه في الحوائر بحداب القِرِشَهْ ببلحارث أثناء بحثه لتحقيق موقع سوق حباشة وهي ذات طابع جاهلي قديم. ثامناً: مقابر الرسوس بثلوث عمارة وقد تم كشفها من قبل الباحث الرزقي (مشرف الآثار بمحافظة العرضيات تطوعاً) وقد قامت الهيئة العليا للسياحة والآثار بتسويرها بسياج وتسجيلها لديها في الهيئة. تاسعاً: موقع أثري تم اكتشافه حديثاً عبارة عن قناة أثرية تسمى عين الكظامة وتقع هذه العين في وادي النظر شرق مدينة ثريبان في تهامة العرضيات، وقد وقف عليها تلبية لرغبتنا أستاذ التاريخ بجامعة الملك خالد في أبها الدكتور غيثان بن جريس عندما مر بالعرضيات أخبرته عنها ووقف على ذلك الأثر يرافقه أستاذ الرزقي. وإنني هنا أشيد بجهود الأستاذ الرزقي المشرف تطوعاً على آثار محافظة العرضيات (وله مني وافر التقدير على جهوده) حيث أخبرني أنه كان متعاوناً مع وكالة الآثار التابعة لوزارة التربية والتعليم. والآثار بالعرضيات اليوم ضُمت لمدير ومشرف الآثار بمحافظة الليث ومحافظة أضم ومحافظة القنفذة ومحافظة العرضيات وعلى الرغم من تخصصه في هذا المجال وجهوده الملموسة والتي يشكر عليها إلا أنه لا يستطيع التوفيق كما قال لي بين آثار أربع محافظات في منطقة شاسعة وأضيف لكل ما سبق وللأمانة في نقل ما رأيت أثناء زيارتي للرزقي ذلك الجندي المجهول الذي لم يأل جهدا في الحفاظ على آثار منطقته والعناية بها حيث كان يقوم بعد انتهاء فترة دوامه الرسمي في مكتب التربية والتعليم حيث يعمل، يذهب ليتفقد الآثار التي تم اكتشافها ويتعاهدها من العبث وقد لمست منه عندما التقيت به الأسف والحسرة على بعض تلك الآثار التي اكتشفت ثم تعرضت للانتهاك وقد قام في أوقات ماضية بكشف العديد منها وذكر بأن تلك الآثار سبق وأن رفع عنها تقارير لوكالة الآثار سابقاً ثم للهيئة العليا للسياحة ولم يتم حتى الآن إرسال فريق تحقيق ودراسة من قبل الهيئة لتحليل ودراسة تلك النقوش المشار لها، وقد انتهكت لعدم وجود سياجات تحميها وهو ينادي بضرورة العناية بتلك الآثار في منطقته وفي نهاية هذا المقال أضم صوتي لصوته وأناشد الهيئة العليا للسياحة والآثار ولحيثيات أن بلاد العرضيات رقيّت قبل أشهر من مركز إلى محافظة أناشدها بسرعة تكليف من ترى فيه الكفاءة من العارفين بآثار محافظة العرضيات سواءً كان المذكور أو غيره تكلفه رسمياً مديراً للآثار في محافظة العرضيات حيث أن بعض المواقع الأثرية هناك تعرضت للانتهاك لعدم تسويرها والبطء في العناية بها. bnmgni@hotmail.com تويتر : @bnmgni  

الأحد، 17 مارس 2013

محافظة العرضيات في عيون الرحّالة

 مقال منشور في صحيفة الجزيرة يوم الأحد الخامس من جمادى الأول سنة 1434

محافظة العرضيات في عيون الرحّالة

بلاد العُرضيات من خلال الصور الفوتوغرافية القديمة

تحقيق - عبدالهادي بن مجنِّي: 

لقد مضى أصحاب تلك الصور وتغيرت معالم الحياة وذهبت الأيام والأعوام تطوى على سجل الدهر وأنا لا أستقر على حالٍ ولا يهدأ لي بال حتى أجد شيئاً عن تاريخ العرضيات هذا الجزء الغالي من بلادنا وكنت ابحث في كتب التراث كثيراً عن بلاد العرضيات المنسية التي كان قدرها أنها بين إقليمين كبيرين (عسير والحجاز) وموقعها بين جبال تهامة والتي تحيط بها كالسوار بالمعصم ولقد مضى وقت طويل على التقاط تلك الصور التي كانت حبيسة ذلك المتحف حتى بعثناها من مرقدها ، ووفقنا الله في الحصول عليها فرأيت من واجبي وبعد مضي سبعين عاماً أن أقوم بنشرها ومن حسن الطالع أننا نطرحها اليوم تزامناً مع ولادة المحافظة الجديدة. وأضيف إلى كل ما تقدم من أمور أن الحياة الاجتماعية لسكان بلاد العرضيات قديماً كانت تشكل لغزاً للباحثين لكونها كما أسلفت منطقة داخلية لم تكن إحدى طرق القوافل القديمة ولم تخدم تاريخياً بما يكفي وما دونه المؤرخون كان جلُه نقلاً عن الروايات الشفوية لمعاصري نهاية تلك الحقبة أما بالنسبة لمشاهدات الرحالة منذُ عقدين أو ثلاثة عقود فلم تفيدنا عن حياة الأجداد في الماضي وهدفنا الذي كنا نسعى إليه لنسبر أغوارها في القرن الماضي والقرون التي قبله وبفضل من الله ومن خلال البحث عن صور فوتوغرافية للجزيرة العربية في القرنين الماضيين تم العثور ولله الحمد على صور فوتوغرافية قديمة بأحد المتاحف في لندن وقد التقطت منذ سبعون عاماً في بلاد العرضيات كان قد أخذها الرحالة الانجليزي ويلفردثيسيجر سنة 1365هـ وهو في طريق رحلته إلى مرتفعات عسير فكان مروره عبر محافظة العرضيات قادماً من شمال تلك البلاد باتجاه جنوب العرضيات بداية من قبيلة بالعريان وبني سهيم والعوامر مروراً بشمران وبلقرن في العرضية الجنوبية حيث كان هو ومرافقوه يواصلون السير على الجمال ليلاً ويتوقفون في النهار فيقوم بتصوير الأهالي في القرى والجبال والأودية والمعالم المشهورة والأسواق الشعبية وقد توقف في إمارة ثريبان والتقط صوراً لأميرها آنذاك وموظفو الإمارة وبعض سكان مدينة ثريبان, وثريبان اليوم المدينة السعودية الحالمة والتي تقع بالقرب من الجبل التاريخي المشهور جبل حضوضى بها كثير من الخدمات التي تؤدي دورها في التكامل الاجتماعي في بلادنا. أما ابرز الصور تلك فكانت لـ(غار القلاده) في شمال محافظة العرضيات وهو من المعالم المعروفة لأهالي المنطقة قديماً وإنني في مقالي هذا أشيد ببعض الأصدقاء الشباب الذين تفاعلوا مع صورة ذلك الموقع وغيره وقاموا بتصويرها وعمل مقارنة بينها قديماً وصورتها اليوم. وفي صبيحة اليوم التالي من زيارة الرحالة لمدينة ثريبان وفي برد الصباح واصل سيره وسط حشد من القرويين إلى سوق الثلاثاء وقد حظي ذلك السوق في قبيلة عماره بالحظ الأوفر من تلك المشاهدات والصور والتي سوف ندرج البعض منها هنا . وقبل كتابة هذه السطور تحدثت إلى سعادة محافظ محافظة العرضيات الأستاذ/ عمران بن حسن الزهراني وكانت البداية عن تاريخ بلاد العرضيات منذُ خمسون عاماً وقبل صدور التقسيم الإداري للشمالية والجنوبية حيث كانت تحمل اسم إمارة العرضية فقط وتحدث سعادته عن تاريخ إمارة ثريبان وما كان لتلك المدينة من أهمية لدى جلالة الملك المؤسس وتحدثنا عن وثيقتين أرسلها رحمه الله في خطابه للأهالي تحدث فيها عن أهمية بلاد العرضية. ومن جانب آخر وعن آمال وتطلعات الأهالي للمحافظة فقد اخبرني سعادة المحافظ بأن المحافظة ستسعى في هذه المرحلة لترقية خدمات المركز إلى خدمات أفضل تواكب المحافظة والرفع للجهات المعنية بإنشاء كليات جامعية بالعُرضيات وفرع للكلية التقنية والبدء في إنشاء الطريق المزدوج وما من شأنه أن يعود بالنفع على الأهالي ، وأضاف أنه سيسعى في توزيع الخدمات بين المراكز بالتساوي . وأخيراً وقبل أن أختم أود أن أضيف أنني قبل سبعة أشهر كانت نيتي أن اجمع سفر عن ما يسمى بلاد العرضيات ولكن مشيئة الله حالت دون ذلك بعد أن ناصفت الطريق. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
 http://www.al-jazirah.com/2013/20130317/wo2.htm

 bnmgni@hotmail.com  

الثلاثاء، 5 مارس 2013

رحلة الى العرضيات و “70” عاما من الغياب!


رحلة “ويلفرد” و “70” عاما من الغياب!

بقلم الكاتب/ محسن بن علي السهيمي

هناك صور بالمتحف البريطاني بلندن اُلتقطت من العرضيات عام (1365هـ) بكاميرا الرحالة ويلفرد، فغدت عملًا نادرًا لم يُسبَق إليه. ولاقت صدىً كبيرًا من مثقفي العرضيات

لم يكن يدور بخلد أحدٍ من مواطنِي (محافظة العُرضيات) بمنطقة مكة المكرمة أن يرى صورًا لأناسٍ ومعالمَ من بيئته يصل عمرها إلى (70) عامًا! وجه الغَرابة يكمن في أن العرضيات ليست على البحر فتكون مرسىً لعابري البحار، ولا هي على قمم الجبال فتغدو مغرية بالاكتشاف، وإنما هي تقع في المنطقة الجبلية التهامية التي تبتدئ من أصدار جبال السروات وتنتهي قرب السهل الساحلي الغربي. وكون موقع العرضيات بهذه الكيفيَّة فهذا بدوره أدى لغيابها عن مقصد كثير من الرحالة والمستشرقين. ومع هذا وبحسب (الجزيزة-12405) فتاريخ العرضيات يمتد إلى (8000) عام قبل الإسلام بدلالة بعض الرسومات والنقوش. وبحسب المصدر نفسه فقد ورد ذكر (وادي قنونا وسوق حباشة) اللذين تحتضنهما العرضيات في عدد من المصادر التاريخية القديمة كالأزرقي والسهيلي وأبوالطيب المكي، وفي بعض المصادر الحديثة عند حمد الجاسر وعاتق البلادي وحسن الفقيه وعبدالله الرزقي. كما أن العرضيات خضعت -قبل الحكم السعودي- للدولة العثمانية ممثلة في قاعدتها ببلدة (المبنى) بالعرضية الشمالية.أما حال العرضيات مع الرحالة غير العرب والمستشرقين فيذكر ابنُ العرضيات المؤرخُ الأستاذُ (عبدالهادي بن مجنِّي) أنه وفي أواخر القرن الثالث عشر الهجري (1289هـ) مر الرحالة التركي (أيوب صبري) بالعرضيات ووصف واديَيْ (قنونا ويبه) وذكر بعض القبائل وعاداتهم، وأضاف ابن مجنِّي أن العرضيات شهدت في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري عام (1334هـ) مرور الرحالة الإنجليزي (كناهان كورنواليس) الذي ألمح لبعض العادات وأنواع الزراعات وذكر أسماء بعض القبائل والأعلام، وذكر ابن مجنِّي كذلك أنه وفي القرن نفسه عام (1365هـ) مر الرحالة الإنجليزي (ويلفرد ثيسيجر) بالعرضية الشامية (الشمالية) والعرضية اليمانية (الجنوبية) التي أصبحت تُعرف بمحافظة العرضيات فكتب عنها، والتقط صورًا متنوعة لبعض مواطنيها ومعالمها. ما يُحمَد لويلفرد أنه وثَّق رحلته تلك بالصور فكانت هي الفارق بينه وبين سابقِيه ولاحقِيه. ولقد مر على تلك الرحلة المصورة (70) عامًا لم يُشِر إليها -حسب علمي- أحدٌ حتى وفق اللهُ المؤرخَ (ابنَ مجني) لتتبع المصادر والوثائق التاريخية التي اعتنت بالعرضيات، فوقف على بعضها في متحف استانبول وبعثها من مرقدها، ثم توصَّل لصور في المتحف البريطاني بلندن اُلتقطت من العرضيات عام (1365هـ) بكاميرا الرحالة ويلفرد، فقامت بنشرها (صحيفة العرضيات الإلكترونية) فغدت عملًا نادرًا وعظيمًا لم يُسبَق إليه. ولقد لاقت تلك الصور صدىً كبيرًا وأحدثت هزة عنيفة في المجتمع، وتفاعلَ معها كثير من مفكري ومثقفي العرضيات؛ كون العرضيات –وقتها- ليست كالحواضر الأخرى في (الشام ومصر والحجاز) التي اتصلت بالعالم، وعرفت الوسائل الحديثة، لذا فلم يكن في حسبانهم أن يروا صورًا لبيئتِهم وأجدادِهم يمتد عمرها لـ(70) عامًا، ولم يخطر ببالهم أن أجنبيًّا أتى من وراء البحار فمر بديارهم في ذلك الزمن الغابر الذي لم تَعرف فيه العرضياتُ الوسائلَ الحديثة، فضلًا عن التعليم النظامي. الصور أوضحت البون الشاسع في المسكن والملبس ووسائل المواصلات وظروف المعيشة بين جيلين، وهذا ما دعا بعض المواطنين للوقوف على الأماكن نفسها التي وقف عليها الرحالة ويلفرد؛ ليلتقطوا لها الصور، ثم يجروا بينها المقارنات. حالة من الدهشة، وشعور ممزوج بالعَبرة تشكلا لدى أهالي العرضيات وهم يُمعِنون النظر ويُطلقون الخيال فيستحضرون ماضي الآباء والأجداد بكل قسوته على أجسادهم، في حين أن أرواحهم يملؤها الرضا وتظللها السعادة، ثم يُفيقون من دهشتهم ليجدوا حولهم خيرات الدنيا وتقنيات العصر، فأضحت صدمة الفارق الحضاري تلك مدعاة للتأمُّل والاعتبار والشكر.

الاثنين، 28 مايو 2012

مقالنا يوم امس الأحد السادس من شهر رجب عن محافظة العرضيات

-تحقيق عبدالهادي بن مجنّي-

(لمحات من تاريخ محافظة العرضيات)

إن أبناء الجيل الحاضر في بلاد العرضيات بحاجة إلى معرفة حقائق تاريخية عن بلادهم حيث لم تنل هذه المنطقة النصيب الوافر من الدراسة لسبب قلة المهتمين بهذا الجانب قديماً وحديثاً وكانت الرغبة لدي ملحة ووجدت في إعلان الدولة رعاها الله قبل أيام عن ترقية العرضيات من مركز إلى محافظة، وجدتها ضالة كنت أنشدها منذ زمن، وأدركت أننا بحاجة إلى توثيق صادق يعرفنا حقيقة تاريخ هذه المحافظة، وكان قد اتفق لي أن اجتمعت منذ أشهر بالدكتور غيثان بن جريس أستاذ التاريخ بجامعة الملك خالد في أبها وهو الذي وثق بعضاً من تاريخ العرضيات في كتابه عن القنفذة خلال خمسة قرون، وانعقدت بيننا صداقة وفاتحته برغبتي أن أجمع معلومات عن تاريخ العرضية الشمالية والعرضيات بوجه عام، لكون هذه المنطقة قد ظلمت تاريخياً، ولكثرة مشاغلي لم أجد إلى تلك الساعة الفرصة لجمع المعلومات ولسبب آخر هو عدم وجود مراجع أعتمد عليها، وما أورده قلة من المهتمين بالتاريخ لم يكن عن العرضيات وإنما كان في مجمله عن بلاد القنفذة، وإنني إذ أقول هذا لا أقصد أن أبخس من كتبوا عنها حقهم فيما قدموه إلينا من معلومات، بل إن ما وثقوه كان جيداً ولكن عذر كل مؤلف أنه إنسان والإنسان ناقص والكمال في كل شيء لا يأتي إلا مع الأيام عبر تجارب متكررة، وقد كتبت في هذا الجانب عدة مقالات لم أجد أنني وصلت فيها إلى ما أريد، وقد لاحظت في القرون الهجرية الأخيرة القريبة الماضية وجود إشارات إلى العرضية الشامية والعرضية اليمانية ولنتوقف قليلاً مع اسمها القديم، فقد كان العرب الحجازيين هم من كانوا يطلقون على الشمال شام والجنوب يمن فيوجد الركن اليماني للكعبة، وهدا الشام وهدا اليمن غير الهدا التي بالطائف اليوم ويوجد في جنوب الجزيرة مسميات كثيرة تغيرت إلى شمال وجنوب بدلاً من شام ويمن، ومنها بدر اليمن وخيبر اليمن وعمرو الشام وعمرو اليمن والكثير من أسماء الجبال والأماكن في تهامة وسراة الحجاز وعسير، ومنها أتى مسمى اليمن كمنتهى الجنوب في بلاد العرب كما الشام منتهى الشمال في ذلك العهد، وأخيراً أتى اسم العرضية اليمانية والعرضية الشامية والتي نحن بصدد الحديث عنها اليوم وما أود قوله إنني فيما توافر لدي من الوثائق التي ذكرت المعقص في أكثر من مناسبة في إشارة إلى العرضية الشامية بين عمال محمد علي باشا وولاته على الأقاليم وممن جاءوا بعدهم مثل عباس حلمي باشا خديوي مصر وولاة اليمن والرسائل بن قادة الجنود ولا أعلم سر اهتمامهم في رسائلهم تلك بالمواقع التي في العرضية الشمالية سوى أن هذه البلاد كانت تابعة لهم ومن تلك المواقع التي أشير إليها بني سهيم والمعقص ووادي الحفيا وقرية المبنا وقنونا ولعل ما يمكن الوقوف عنده في هذا المقام أن الناس في بلاد العرضية الشامية في ذلك الزمن كانوا يعانون من قلة التوثيق وهذا ما دفعنا إلى أن نستدل بإشارات المصريين وأهل اليمن، أما بالنسبة لما وصلنا إليه عنها في عهد الدولة السعودية فقد حاولت هذه المنطقة في أكثر من مناسبة أن تستقل بنفسها كمنطقة إدارية تتبع لولي الأمر مباشرة وليس مركزاً كما هي اليوم، وعند البحث لكتابة هذا المقال وجدت أنه في سنة 1353هـ طلب أبناء قبيلتي غامد وزهران من الملك عبدالعزيز رحمه الله إنشاء إمارة في بلادهم بدلاً عن تفرقهم وتبعية كل جزء من منطقتهم إلى الإمارة القريبة منه فمن يقطنون شرق بلاد غامد وزهران يتبعون إلى بيشة والأجزاء الشمالية تتبع للطائف وكذا القنفذة والليث، وتمت الموافقة وصدر الأمر الملكي الكريم رقم 165 وتاريخ 19-3-1353هـ بإنشاء إمارة في بلاد غامد وزهران ضمت العرضية الشامية (الشمالية لاحقاً) ويكون (المندق) مركزاً لتلك الإمارة وعين بموجب الأمر الملكي تركي بن محمد بن ماضي أول أمير لقاعدة هذه الإمارة ثم انتقلت بعد ذلك إلى (الظفير) فسميت إمارة الظفير وذهب بعض أهالي العرضية الشامية إلى الأمير مطالبين بالعودة كسابق عهدهم ليتبعون إمارة القنفذة فكان لهم ما طالبوا به وفي رأيي أنهم لم يرفضوا هذا التقسيم إلا لأن إمارة الظفير كانت إمارة صغيرة واليوم ولله الحمد وبعد طول انتظار تهيأ للعرضيات أن رقيت إلى محافظة وتحقق لها ما كانت تريد، ومن هنا أهنئ أهالي العرضيات الشمالية والجنوبية على هذه اللفتة الأبوية من خادم الحرمين الشريفين حفظه الله وولي عهده بترقية العرضيات إلى محافظة ويعود الفضل في ترقيتها إلى محافظة إلى مطالبات أبناء العرضيات المخلصين، ولا فرق لدينا أين تقع تلك المحافظة فهي جاءت لتخدم المنطقة وتخدم الجميع وفي رأيي أن نمرة بالعرضية الشمالية هو المكان الأنسب لوقوع بلدة نمرة على الطريق العام جدة جازان إضافة لكون مركز العرضية الشمالية شهد بفضل رئيس المركز الأستاذ عمران الزهراني وفريق العمل الذي معه شهد تقدماً ملحوظاً في عجلة التنمية والمشاريع التنموية ونهضة هذه البلدة في السنوات الأخيرة ولا يفوتني في هذه الإلالة أن أشكره فهو لم يألُ جهداً في الرقي بمركز العرضية الشمالية وتوفير الخدمات لمواطني المركز والسعي قدماً في تنمية هذا الجزء الغالي من بلادنا، وقد لمست منه عندما حدثني رؤى وتطلعات للرقي بمحافظة العرضيات مستقبلاً، وله مني وافر التقدير فهو من زف لي البشرى بترقية العرضيات إلى محافظة وجعل مركز المحافظة بلدة نمرة، وأن لاختيار العرضية الشمالية مركزاً للمحافظة على الرغم من أن العرضية الجنوبية هي الأقدم تاريخياً من حيث وضع الإمارة أسباب لعل أهمها تركيز أهالي الجنوبية على أن ثريبان هو المركز بدلاً عن المسمى الرسمي الصحيح مركز العرضية الجنوبية فالمسمى المعتمد لدى المسئولين في إمارة منطقة مكة المكرمة هو مركز العرضية الجنوبية، وأخيراً أضم صوتي لصوت الأستاذ محسن بن علي السهيمي الزميل في صحيفة المدينة ومناشدة ولاة الأمر حفظهم الله بجدولة محافظة العرضيات في ميزانية العام الحالي، كون نظام المناطق -في مادته الثالثة- يُعطي الأولوية للاعتبارات السكانية، والجغرافية، والأمنية.

السبت، 12 مايو 2012

العرضيتان صوتهما خالد .. لـ محسن علي السهيمي


“العُرْضِيَّتان”.. صوتُهما “خااالد”
يبقى لأهالي العرضيتين طلبٌ عند من يهمه الأمر بجدولة المحافظة في ميزانية العام الحالي



محسن علي السُّهيمي

قبل ثلاث سنوات كتبتُ في هذه الصحيفة (المدينة) مقالاً عنونتُه بـ(العُرضيَّتان..إرهاصات تنمية شاهدُها «خالد») عقِبَ زيارة سمو أمير منطقة مكة لمركزَي العُرضيَّتين بمحافظة القنفذة، وتدشينه لعدد من المشاريع التنموية، وحثِّه بعض الجهات المسؤولة على استكمال مشاريعها المتعثرة. كتبتُ ذاك المقال وأنا أَلمحُ وميضَ إرهاصاتِ تنميةٍ يلوح في أفق العرضيتين، بعد أن عانتا من نقصٍ حادٍّ في الخدمات، وتناسٍ من بعض الجهات التي أَسقطتهما من قاموسها الخدمي؛ كونهما تُصنَّفانِ (مَركزَين) يقعان في مكان (قَصيٍّ) من المنطقة. العُرضيتان ياسادة ذاتُ بعد تاريخي، وإرث حضاري، يكفي أن تعلموا أنَّ فيهما سوقَ حباشة التاريخي، وأنهما عُرِفتا بمسمى (العُرْضِيَّة) منذ سبعة قرون، وأنهما أخرجتا للوطن عددًا من الأعلام في المجالات كافة. العُرضيتان عبارة عن مركزين ضخمين -مساحةً وسكانًا- هما مركز العُرضية الشمالية (نمرة) ومركز العُرضية الجنوبية (ثريبان) ويقعان في أقصى الطرف الجنوبيِّ الشرقيِّ لمنطقة مكة، ويشكِّلان الانبعاجَ الظاهرَ بجلاء شرقيَّ محافظة القنفذة الفاصلَ بين منطقتَي عسير والباحة. وحينما نقارن تعداد سكان العرضيتين البالغ حسب الإحصاءات (الرسمية) الأخيرة (77613) بسكان بعض المحافظات -كما يظهر في موقع مصلحة الإحصاءات العامة- نجد أن العرضيتين تتقدمان على (62) محافظة من محافظات المملكة البالغ عددها (118) محافظة! وبناء على تلك المعطيات طالب أهالي العرضيتين -وغيرُهم- باستحداث محافظة للعرضيتين. وهنا أذكر مطالبات الأساتذة: علي خضران القرني في المدينة والندوة، ومحمد الحميِّد في الوطن، وحمَّاد السالمي في الجزيرة، وأحمد الشمراني وماجد المفضلي في عكاظ. وأذكر أن الأستاذ علي مكي نشر لي -قبل عشر سنوات- طلبًا في عموده بالوطن على مدار يومين تحت عنوان (من اليتيمتين إلى أمير مكة) وأعاده مختصرًا في شمس، كذلك نشر لي الأستاذ قينان الغامدي في عموده بالوطن قبل (ثماني سنوات) طلبًا عنونَه بـ(العُرضيتان والانتماء الطبيعي إداريًّا). لا ننسى كذلك جهود بعض المشايخ والمواطنين المخلِصين ومراسلي الصحف في العرضيتين. ونثمِّن كثيرًا جهود سعادة محافظ القنفذة فضا بن بين البقمي ورئيس مركز العرضية الشمالية الأستاذ عمران بن حسن الزهراني الذي يمثل أنموذجًا رائعًا للقيادة والمسؤولية. ولأن الأمير خالد الفيصل ذو فكر ثاقب ورأي حصيف، فقد وقف على واقع العرضيتين وأحاط به من جميع جوانبه، تلا ذلك زيارة الأمير منصور بن محمد مستشار وزير الداخلية لشؤون المحافظات، لتتعاضدَ رؤيتاهما وترفعا إلى ولاة الأمر، فيأتي القرارُ الملكي الأخير بترقية العرضيتين إلى محافظة فئة (ب) تحت مسمى (محافظة العُرْضِيَّات) ويكون مقرها (العرضية الشمالية). ويبقى لأهالي العرضيتين طلبٌ عند من يهمه الأمر بجدولة المحافظة في ميزانية العام الحالي؛ كون نظام المناطق -في مادته الثالثة- يُعطي الأولوية للاعتبارات السكانية، والجغرافية، والأمنية..إلخ، وهو ما يتأكد (بقوة) في حق العرضيتين. هنيئًا للعرضيتين بالمحافظة، وشكرًا (من الأعماق) لولاة أمرنا الأوفياء، وشكرًا لصوت العرضيتين، باعثِ التنمية في أوصالهما، أميرِنا (الفيصلِ) ولكل من أيَّد ودعم القرارَ بجهده أو فكره أو قلمه.

الاثنين، 6 فبراير 2012

رحله الى العرضيه في أواخر الحرب العالميه

مقال منشور في صحيفة الجزيرة منذ ما يقارب الثلاثة أعوام ..

مبارك بن لندن في العرضية عام 1365هـ - 1946م بإذن من جلالة الملك عبدالعزيز



لم تحظ تهامة العُرْضِيَّة بالدراسات التاريخية من قبل الرحالة العرب والرحالة الغربيين ويعود السبب في رأيي إلى صعوبة الوصول إليها لوجودها في الجزء الجبلي القريب من تهامة الحجاز والقريبة من سفوح جبال السراة في الشرق وكلما اتجهت جنوبا تصبح المعابر والطرق إليها صخرية ووعرة (1)، وإذا ما أوغلنا أكثر إلى الداخل فإننا نجدها تحيط بها الجبال، واستأثر الجزء الساحلي من تهامة بالحظ الأوفر من الدراسات التاريخية والتنقيب عن الآثار، يدلنا على ذلك مرور الرحالة العربي بن بطوطة والرحالة بن جبير ووصولهم إلى حلي في القنفذة في التاريخ القديم، ولكن بإصرار القليل من الرحالة الغربيين تمكنوا من الوصول إليها والبحث عنها لأن هذه المنطقة جزء من التراث الثقافي في جنوب الجزيرة، وذلك ما جعل لهذه الرحلة التاريخية التي قام بها الإنجليزي ويلفرد ثيسجر والشهير ب مبارك بن لندن قيمة وأهمية لندرة وصول الباحثين إليها.

في عام 1365هـ تسنى له زيارة العُرْضِيَّة، بعد حصوله على إذن من جلالة الملك عبدالعزيز وقد كان لذلك أكبر الأثر في إعطاء رحلته طابعا رسميا مكنه من الاتصال بأمير العرضية آنذاك وسهل عليه حرية التنقل والحصول على المعلومات التي كان يريدها.

المكان.. العرضية وهي إمارة تتبع للقنفذة وقد عرف بها السيد ولفرد ثسيجر بقوله: (هي المنطقة الجبلية التي تتوسط بين تهامة الشام وسفوح جبال السراة) وقد أشار إلى سبب التسمية بالعرضية الشامية والعرضية اليمانية أنه يستخدم لديهم بشكل شامل، اصطلاح الشام الذي يطلق على الشمال، واليمن على الجنوب، والجبلي على الشرق(2)، والبحري على الغرب.

وأضاف أنه يعرف سكان العرضية بالتهاميين، ويتمركزون في الأودية التي تستمد سيولها من الجبال وهذه الأودية هي وادي قنونا ووادي يبه.

وعند وصول ذلك الرحالة ورفاقه إلى شمال العرضية أورد ما نصه: (وهذه المنطقة تخص فخذاً من غامد التي يسكن معظمها في الجبال إلى الشرق من هذا الموقع، وتتناثر مزارعهم على طول وادي بطاط، حيث اكتظت ضفتاه بالزراعة التي تروى من الآبار والسيول معاً. ثم اجتزنا وادي فنونا إلى الوراء من بطاط، ودخلنا بلاد بلعريان وهي منطقة جرانيتية خصبة، يقوم على حراستها العديد من أبراج المراقبة(3). ووصلنا في اليوم التالي إلى مركز إمارة ثريبان، حيث احتفى بنا أميرها وأكرمنا، ثم سافرنا من هنا في برد الصباح، وسط حشد من القرويين المتجهين على الركائب، والجمال المحملة إلى سوق الثلاثاء الواقع على ضفتي وادي يبة، في وسط بيئة من التلال المكونة من الصخور الجرانيتية، حيث يكتظ هذا الوادي بأشجار النخيل، ورأينا هناك ثمة محاصيل ممتازة من الذرة، والسمسم، تسقى من جدول يتدفق في الوادي، حيث يقوم سوق عمارة (الذي يعقد كل يوم ثلاثاء) وعمارة قبيلة جذابة، تشبه أعراب تهامة، يشد الواحد منهم جنبية على وسطه من الأمام، أما شعورهم الطويلة، فقد زينت بنباتات ذكية الرائحة، اشتريت من السوق لهذا الغرض، ويلبس قليل من الرجال قبعات مصنوعة من الحصير، حيث تتميز بأن حوافها واسعة ومرتخية، وعندما اجتزنا الجدول، كان ثمة راع شاب، يشبه رمز الغابات أو الجمال عند الرومان، وقد ملأ بساتين النخيل بترديده لأنغام موسيقية شجية تنبعث من مزماره.

وهذه الآلة تعرف محلياً بالصفريقة المصنوعة من لحاء عروق شجر السمر) انتهى كلامه.

ومن نتائج القراءة في تاريخ هذه الرحلة يستطيع المرء أن يصل لعدة أمور، وصف المؤلف وصفاً دقيقاً لإنسان العرضية في ذلك الزمن، وتراه يرسم لنا في هذه الرحلة الجبال والأودية، وقد استشرفنا الحياة في الماضي من خلال هذا المشهد، وأسهب في وصف المباني والعمارة القديمة، بعدها ذهب للحديث عن المزارع وفلاحة الأرض، ويطلعنا على مسميات الأشجار والنباتات وأسماء الذكية الرائحة والعطرية منها والتي تنمو على سطوح المنازل المستوية وفي أوان خاصة، ثم يأخذنا معه لذلك الماضي الجميل الذي يتجلى فيما يتمتع به الأهالي من نفوس زكية يغلب عليها جانب الطيبة الفطري، ثم يطلعنا على الأسواق القديمة في تلك الفترة وأهميتها لدى السكان والجهة التي يتبع لها كل سوق منها فبني رزق النبيعة سوقهم الأحد، وبني بحير في قنونا سوقهم الأربعاء، وعمارة سوقهم الثلاثاء، وآل سليمان سوقهم الأربعاء في نخال، والجوف سوقهم الثلاثاء(4)، وبنو سهيم سوقهم الاثنين، وشمران سوقهم السبت، والعوامر سوقهم الأحد، وبنو المنتشر سوقهم الخميس في ناخس.

وقد اطلعت على بعض الرحلات التي قام بها ذلك الباحث في باقي أنحاء الجزيرة فأجده كلما توغل في إقليم معين يقوم بمقارنات بين سكان تلك الأقاليم في الملبس والمأكل مع أهالي العرضية، وألاحظ تشبيهه مباني بعض البلدان بمباني العرضية التي أسرته طيبة أهلها فهو لا زال يتذكر العرضية ويذكر سكانها. وأجد هذه الرحلة إلى تهامة التي نحن بصدد تحقيقها قد جاءت بعد رحلته الأولى التي تحدث عنها في سنة 1945م، فقال بعد أن أمضيت شهرين بين أهالي نجد المتمسكين بدينهم في شدة وصرامة، مررت سريعاً عبر تهامة ومنذ ذلك الحين، ظلت تطاردني ذكرى هذا الشعب اللبق البشوش، وبقيت هذه اللمحة الخاطفة حلماً يراودني حتى سنحت لي الفرصة في سنة 1946م، عندما اضطررت تحت وطأة حرارة الصيف إلى مغادرة الربع الخالي، والعودة مرة أخرى إلى تلك السلالة المحببة.

ولا يفوتني في نهاية هذا المقال أن أشكر الدكتور أحمد بن عمر الزيلعي وما قام به من جهود ودراسات لتحقيق كتب الرحالة الغربيين التي تتناول تاريخ عسير والحجاز.





الهوامش:

1- كان ذلك في الماضي أما في وقتنا الحاضر ولله الحمد فأصبحت العرضية مرتبطة بشبكة طرق معبدة وسهلة تربطها بالسراة والساحل، وهناك الكثير من العقاب المسفلتة التي تنزل إليها من أعالي الجبال بكل يسر.

2 - جهة الشرق يطلق عليها أهل العرضية الحجازي نسبة لجبال الحجاز وليس الجبلي، ربما يكون الذي قد زود الرحالة بالمعلومة قد أخطأ أو أن الخطأ كان في طباعة الترجمة.

3 - الحصون الأثرية والتي تعد اليوم رموزاً لمنطقة العرضية.

4 - الجوف منذ القدم سوقهم خميس العرق وليس الثلاثاء وقد انتقل في الوقت الحاضر وأصبح على الشارع العام ويبدو أن المؤلف التبس عليه الأمر بسبب كثرة الأسواق في المنطقة.


http://www.al-jazirah.com/104787/wo4d.htm